مقابلة مع صحيفة لوفيغارو: جان إيف لودريان: «تركيا تقوّض جهود خمس سنوات من القتال ضد داعش» إيزابيل لاسير

في مقابلة حصرية مع صحيفة لوفيغارو، يرسم وزير أوروبا والشؤون الخارجية صورة قاتمة لتداعيات التدخل التركي في سورية فيقول: «إنها قضية خطيرة جداً، لأن تنظيم الدولة الإسلامية لم يمت» حيث «ينتظر مقاتلوه أي غفلة للعودة إلى القتال».
جان إيف لودريان: «تقوّض العملية التركية في سورية جهود خمس سنوات من القتال ضد داعش»
بالنسبة إلى وزير أوروبا والشؤون الخارجية، هناك حاجة ملحة لإعادة الاستقرار الى شمال شرق سورية، «والتكفّل جماعياً» بمصير الجهاديين الأجانب.

لوفيغارو: ما هي مخاطر التدخل التركي في سورية؟
جان إيف لودريان: هذه قضية خطيرة جداً. أوّلاً، لأنّ هذه العملية التركية في شمال شرق سورية تقوض جهود خمس سنوات من القتال ضد تنظيم داعش. فتنظيم الدولة الإسلامية لم يمت. ولم يتلاش مقاتلوه، بل هم موجودون إما في مخيّمات وسجون، أو تواروا عن الأنظار منتظرين أي غفلة للعودة إلى القتال.
ولقد رأينا ذلك الأسبوع الماضي في التفجير الانتحاري الذي وقع في الرقّة، وهذه المدينة تعتبر رمزاً لأعمال تنظيم داعش الإرهابية، حيث صدرت منها الأوامر بارتكاب الاعتداءات التي وقعت في عام 2015 في فرنسا. وإنّ الهجوم التركي من شأنه أن يقوّض كل الإنجازات الفعلية. وسيؤدي أيضاً إلى تزايد عدد النازحين واللاجئين، وسيسفر عنها المزيد من المعاناة والقتلى من بين المدنيين الذين يعيشون في المنطقة والذين يبلغ عددهم 700 ألف مدني. وأخيراً، إنّ قوات سورية الديموقراطية، التي كانت شريكتنا في القتال ضدّ تنظيم داعش، تتعرض اليوم لزعزعة استقرارها بسبب فعل أحد البلدان، أي تركيا، مع أنها منضمة إلى التحالف ضدّ تنظيم الدولة الإسلامية، وبسبب امتناع بلدٍ آخر عن التحرّك، أي الولايات المتحدة الأمريكية، التي كانت، حتى يوم الأحد قبل قرارها بالانسحاب، تمثل رأس الحربة في التحالف الدولي في سورية إلى جانب قوات سورية الديموقراطية.

ماذا يمكن أن تفعل فرنسا؟
اتخذت فرنسا قرارات وطنية بتعليق مشاريعها الخاصة بتصدير الأسلحة، ونسّقت عن كثب مع حلفائها الأوروبيين في مجلس وزراء الاتحاد الأوروبي يوم الاثنين للمطالبة بوقف الهجوم التركي. وهي تطلب عقد اجتماع طارئ للتحالف الدولي ضد تنظيم داعش، هذا التحالف الذي أنشِئ عام 2014 ويضمّ 80 دولة.
وقد اضطلعت فرنسا بدور بارز في هذا التحالف الذي قاد المعارك لتحرير الأراضي العراقية، وأتاح بفضل المساعدة الحاسمة المقدمة من قوات سورية الديمقراطية اجتثاث تنظيم داعش من شمال شرق سورية. أمّا اليوم، فقد تغيّرت المعطيات، وعلى هذا التحالف أن يجتمع من جديد وبأسرع وقت ممكن. وينبغي على كلّ طرف فيه أن يتحمّل مسؤولياته، وإتاحة عودة نوع من الاستقرار إلى شمال شرق البلاد، والتكفّل جماعياً بمصير المقاتلين الأجانب.

ولكن كيف يمكن إيقاف تركيا تحديدًا؟
من خلال وضعها أمام مع مسؤولياتها، ومن خلال تذكيرها بأنّها هي أيضاً كانت واحدة من ضحايا تنظيم داعش، الذي تبنّى 35 هجوماً على الأراضي التركية… ويجب علينا أيضاً أن نطرح على الطاولة جميع علاقاتنا مع تركيا. ونظراً إلى التهديدات التي تفرضها هذه العملية على الأمن الأوروبي، يجب القيام بكل ما من شأنه إقناع الأتراك بإنهاء هجومهم.

هل ما زال لتركيا مكان في حلف شمال الأطلسي؟
القرار يعود لها في ذلك.

هل من شأن الهجوم التركي أن يثير فوضى جغرافية سياسية جديدة في المنطقة؟
يمثل القرار المزدوج، التركي بشَنّ الهجوم والأمريكي بالانسحاب، تغييراً شاملاً. وتتمثل أولويتنا في الحفاظ على التحالف الذي أتاح محاربة تنظيم داعش، وفي ألّا تقدّم الأوضاع السائدة فرصة لهذه المنظمة الإرهابية للظهور من جديد. كل هذا يدعو أيضاً إلى تسريع حقيقي للعملية السياسية في سورية. وإن الوضع الجديد على الميدان أفضى إلى ارتماء الأكراد في أحضان النظام وحلفائه. وأصبحت على عاتق روسيا مسؤولية متزايدة، وعليها أن تدين الهجوم التركي الذي يدفع بهذه المنطقة نحو المزيد من الفوضى.

هل أخطأ دونالد ترامب بالإعلان عن نيّته سحب القوات الأمريكية من شمال شرق سورية؟
اتخذ الأتراك قراراً بشنّ هجوم أحادي الجانب. ولم يعارض دونالد ترامب، وبالتالي أعطى نوعًا من أنواع الإذن الضمني عندما قرر وأعلن انسحاب القوات الأمريكية في خضمّ الهجوم التركي على قوات سورية الديمقراطية. ألاحظ هنا أنّ هذا القرار أثار جدلاً حامي الوطيس في واشنطن. ومن هنا تأتي ضرورة تنظيم اجتماع عاجل للتحالف الدولي، لتوضيح الأمور ومعرفة موقف كل طرف…

هل اعتادت فرنسا على دونالد ترامب؟
تعلّم إيمانويل ماكرون العمل مع دونالد ترامب.

هل تلاشت مبادرة إيمانويل ماكرون بشأن إيران؟
في بياريتز، وثم في نيويورك، اتخذ رئيس الجمهورية مبادرات لتهدئة التوترات ووضع معايير الاتفاق مع دونالد ترامب وحسن روحاني، وهي تتعلّق بإقناع إيران باحترام التزامات اتفاق فيينا (خطة العمل الشاملة المشتركة) من جديد بصورة كاملة، وفتح مفاوضات لمعالجة أزمات المنطقة، ومناقشة مستقبل الاتفاق بعد عام 2025. وفي موازاة ذلك، سيتم رفع العقوبات الأمريكية تدريجياً، وتتمكن إيران من استخدام مواردها النفطية. لا تزال هذه المعايير قائمة، حتى وإن أخذت المساحة السياسية تضيق، حيث أنّ إيران تهدد بالعودة عن التزامات أخرى نَصّت عليها خطة العمل الشاملة المشتركة بحلول بداية تشرين الثاني/نوفمبر. ومن المهم حالياً أن يغتنم الطرفان هذه الفرصة التفاوضية. وإلّا سيزداد الضغط مع مرور الوقت، وسيزداد خطر تصعيد غير منضبط، في حين أنّ أيّاً من طرفَي الأزمة، أي الولايات المتحدة وإيران، لم يعلن رغبته في ذلك.

هل آمال التفاوض بين روسيا وأوكرانيا قد تلاشت فعلاً؟
منذ انتخاب فولوديمير زيلينسكي في أوكرانيا، تغيّرت المعطيات. ويُعدّ تبادل الأسرى والإفراج عن المخرج الأوكراني أوليغ سينتسوف علامة على التهدئة بين البلدين. لقد اتفق الطرفان على إزالة الأسلحة الثقيلة ونزع السلاح من ثلاث مناطق تجريبية في دونباس. وإنّ زيلينسكي، الذي يتمتع بأغلبية ساحقة، يؤيّد إجراء مناقشة حقيقية بشأن الوضع المستقبلي لدونباس. ومن المهم حالياً، بالنسبة إلى روسيا، أن تغتنم فرصة هذا الانفتاح وتستجيب إلى هذه الإشارات الإيجابية. وإذا فعلت ذلك، يمكن أن تُفتح المسارات نحو عقد قمّة نورماندي جديدة.

هل تحسّنت العلاقات مع روسيا كما يأمل إيمانويل ماكرون منذ لقاء قلعة بريغانسون والخطاب الذي ألقاه أمام السفراء؟
تستند مبادرة ماكرون في بريغانسون إلى استنتاج مزدوج. أولاً، تجري علاقاتنا مع روسيا في ظل نظام من عدم الثقة قائم على خلافات أساسية هامة، سواء فيما بتعلق بأوكرانيا والصراعات المجمّدة وضَم شبه جزيرة القرم وسورية والموقف النووي الروسي. وبالتالي، لدينا خلافات عميقة. لكنّ هذه المواجهة الجامدة بيننا لن تفضي إلى إحراز أي تقدم في هذه الملفات. ثانياً، هو الانزلاق التدريجي لروسيا نحو الشرق، وابتعادها عن أوروبا. لذلك، من الضروري استعادة الثقة. ولكن يجب القيام بذلك بصراحة ودون سذاجة. وكنت قد زرتُ موسكو في أيلول/سبتمبر مع وزيرة القوات المسلحة للتقدم في جدول أعمال العلاقات الروسية - الفرنسية. ويتضمن الحوار الذي اقترحناه، والمبني على الأمن والثقة، القضايا الاستراتيجية الكبرى، والتقارب بين المجتمعين، والحاجة إلى التعامل، معاً إذا أمكن، مع طيف الأزمات الواسع. ومنذ ذلك الوقت، عيّن كلّ منّا مبعوثين خاصين لوضع جدول زمني تطبيقي لهذه المقترحات، لكنّ كل ذلك لا يزال حديث العهد.

هل ستعود روسيا إلى مجموعة الدول السبع السنة المقبلة في الولايات المتحدة الأمريكية؟
إن الشروط التي طرحتها مجموعة الدول السبع لهذه الغاية واضحة ولقد كانت موضوع نقاش في مؤتمر قمة بياريتز. لا يمكننا أن نعمل كما لو أنه لم يحدث أي شيء في أوكرانيا عام 2014. لكن هناك اليوم فرصة حقيقية لحل النزاع في أوكرانيا، وكما قلتها سابقاً، فرصة قد لا تتكرر، وعلينا أن نغتنمها.

هل تعتمد السياسة الخارجية الفرنسية على الواقعية أكثر من ذي قبل؟
ترتكز سياستنا الخارجية على ثلاث ركائز. أولاً، الحفاظ على مصالحنا وأمننا، وهذا هو الأساس. ثانياً، إثبات قيَمنا وأولوية القانون والتعاون. وثالثاً، ونظرًا إلى هذين السببين، تطوير النهج المتعدد الأطراف. ومن أجل مواجهة حالة الذعر في العالم وحالة الإلغاء الدائم للقواعد الناظمة، تعمل فرنسا على ابتكار نهج جديد من تعددية الأطراف. هذا ليس مفهوماً مجرداً، بل هو مفهوم للعمل يتجلّى مثلاً في النجاح الكبير الذي حققه الصندوق العالمي لمكافحة الإيدز والسِل والملاريا.وفي الجمعية العامة للأمم المتحدة، قمنا أنا ونظيري الألماني هايكو ماس، بإطلاق مبادرة تهدف إلى جمع كل الدول التي ترغب باستحداث هذا النهج الجديد من تعددية الأطراف. واستجاب لها خمسون وزيراً من الوزراء الحاليين وتناولوا عدة مواضيع أساسية، مثل ابتكار القواعد الرقمية للقرن الحادي والعشرين. وبالتالي، يُمثل هذا الأمر مصدر تفاؤل. لذلك، فثمة مستقبل واعد للإرادة الطوعية.

كيف يمكن الجمع بين الأوروبيتين المتعارضتين في الاتحاد الأوروبي بشأن قضايا أساسية مثل تلك المتعلّقة بالهجرة؟
يجب أن ننتقل من أوروبا الخائفة إلى أوروبا السيادية. وصبّت أوروبا الخائفة تركيزها على الهجرة، وأجّجت نيران الانقسامات بيننا. وأرى أنّ أزمة الهجرة لم تعد في ذروتها الآن، وأصبحت النقاشات بشأن هذا الموضوع أكثر هدوءً، وبدأت الثقة بين الدول الأعضاء، القائمة على المسؤولية والتضامن، تعود تدريجياً. لذلك، علينا أن نتطلّع إلى المستقبل وإلى مسألة السيادة التي يجب أن تكون مسألة موحّدة ومحفّزة.
لكن هذا لا يعني أنه يجب أن نكون منفتحين على كل أوجه العولمة التي قد لا تحترم سيادة الدول. يتعيّن على أوروبا على وجه الخصوص أن تخرج من سذاجتها، وأن تصبح فعلاً أوروبا الحامية. وعندئذٍ يمكننا مصالحة «الأوروبيتين» اللتين، هما بالنسبة إلي، واحدة. وهذه رسالة يمكن لجميع الأوروبيين فهمها. ويتمثل التحدي أمام المفوضية الأوروبية الجديدة في إثبات أوروبا الجديدة هذه. وإن لم نفعل ذلك، سنخرج من التاريخ ولن نكون إلا ساحة معارك وصراعات نفوذ بين قوى خارجية.

هل فَشَل سيلفي غولار في بروكسيل هو مؤشّر على ثورة ضد الرؤية الأوروبية لفرنسا؟ وكيف يمكنك تحليلها؟
إن الادعاء بعدم شرعيتها يخفي في الواقع أحابيل سياسية مؤسفة. ويجب تجاوزها للتقدم بأوروبا إلى الأمام وتنفيذ جدول الأعمال الذي قدمته الرئيسة الجديدة للمفوضية الأوروبية. فما يهمّ هو المشروع الأوروبي، وهو أن تؤدي كل مؤسسة دورها بأفضل طريقة بنّاءة ممكنة. لذلك، أعتقد أنه يتعيّن على البرلمان الأوروبي، مثل المفوضية والمجلس، أن يضطلع بدوره الكامل في التحديات الرئيسة التي تواجهنا والتي ذكرتها.

كيف يمكن إنهاء الأزمة في ليبيا؟
بدأت الجهات الفاعلة في ليبيا تدرك أنّه ما من حلّ عسكري للأزمة. وأرى بالإضافة إلى ذلك أنه ثمة توافق دولي في هذا الصدد. ويجب الآن تنظيم مؤتمر دولي مع جميع الجهات الفاعلة المعنيّة، وحث الليبيين على وضع جدول زمني انتخابي. ويتحقق ذلك بالضرورة عبر الامتثال لحظر الأسلحة، وفرض هدنة فوقف لإطلاق النار، وتوحيد المؤسسات الاقتصادية ووحدة الجيش الوطني الليبي. فهذه هي الأسس التي من شأنها أن تفضي إلى نتائج. وينبغي تحقيق ذلك أيضاً عبر التزام قوي من الاتحاد الأفريقي.

وكيف يمكن الخروج من مستنقع منطقة الساحل الأفريقي؟
لستُ متأكداً أنه يمكن الحديث عن مستنقع. كان الجميع يعلم أن هذه الأزمة ستكون طويلة، وسوف تكون كذلك. الهدف النهائي هو ضمان أمن منطقة الساحل من قبل الأفارقة أنفسهم. وأرى تقدماً في بعض المناطق، مثل موريتانيا. ولكن لا تزال هناك الكثير من التحديات، لا سيما في مالي وبوركينا فاسو، حيث يزداد الوضع تعقيداً بسبب قيام الجماعات الإرهابية، مثل إياد أغ غالي، باستغلال النزاعات المجتمعيّة وزَعزعة استقرار مناطق بأكملها. ينبغي أن نعزّز إرادة الأفارقة لقيادة هذه المعركة.