القانون الدولي الإنساني
أمسى استكمال اتفاقية جنيف الأولى التي وُقعت في عام 1864 ضرورةً جليةً بسبب الفظائع التي ارتُكبت في ساحات الحرب العالمية الثانية. وشاركت تسع وخمسون دولة بمؤتمرٍ بادرت به الحكومة السويسرية في عام 1949 من أجل صياغة نصوص جديدة. واتخذت اثنتا عشرة دولة وعدة منظمات دولية من بينها منظمة الأمم المتحدة صفة المراقب. وأتاحت الاتفاقيات الأربع الحديثة التي وقعت في 12 آب/اغسطس 1949 إضافة أفكار جديدة، ولا سيما من أجل حماية المدنيين التي ترد في الاتفاقية الرابعة.
تعريف القانون الدولي الإنساني
يمثّل القانون الدولي الإنساني مجموعة قواعد ترمي إلى حصر آثار النزاعات المسلحة على الأعيان المحمية والأشخاص المحميين. ويحمي هذا القانون الذي يُعرف باسم "قانون الحرب" الأشخاص الذين لا يشاركون بالأعمال العدائية على غرار المدنيين والأعضاء العاملين في المجال الصحي وفي المنظمات الإنسانية والأشخاص الذين لا يشاركون في القتال كالجرحى والمرضى والغرقى وسجناء الحرب، كما يقيّد وسائل وأساليب القتال. ويعرف القانون الدولي الإنساني كذلك بـ "قانون النزاعات المسلّحة" و "jus in bello". ويجدر في هذا الصدد التمييز بين القانون الدولي الإنساني الذي ينظّم أسلوب اقتتال الأطراف في النزاع المسلح (قانون النزاعات المسلّحة) ومبادئ القانون الدولي العام الواردة في ميثاق الأمم المتحدة التي تحدد ما إذا كان يجوز لدولةٍ ما أن تلجأ لاستخدام القوة المسلحة ضد دولة أخرى قانونًا (قانون مسوّغات الحرب).
يندرج القانون الدولي الإنساني في القانون الدولي العام الذي يتألّف من عدّة معاهدات والقانون الدولي العرفي ومبادئ قانونية عامّة. وتمثّل اتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها الملحقة مراجع للقانون الإنساني الدولي المعاصر. وتؤطر اتفاقيات عدّة أخرى قضايا معينّة على غرار اتفاقية لاهاي لعام 1954 بشأن حماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح، وبعض الأماكن على غرار اتفاقيات لاهاي لعام 1907 المرتبطة بالحرب البحرية، وعدد هام من القواعد العرفية القابلة للتطبيق في فترة النزاع المسلح الدولي وغير الدولي على حدٍ سواء.
تمثل اتفاقيات جنيف والبروتوكولات الملحقة نصوصًا أساسية للقانون الدولي الإنساني
بينما يمثّل القانون الدولي الإنساني أحد أقدم فروع القانون الدولي، تستند صياغته المعاصرة بصورةٍ أساسية إلى اتفاقيات جنيف لعام 1949 وبرتوكولاتها الملحقة لعامي 1977 و2005. وشاركت تسع وخمسون دولة من بينها فرنسا منذ عام 1947 بمبادرة من الحكومة السويسرية بمؤتمر دبلوماسي سعيًا إلى مواصلة أعمال تدوين وتطوير القانون الدولي الإنساني التي استهلتها الدول قبل الحرب العالمية الأولى، مع مراعاة تجربة الحربين العالميتين والفظائع التي ارتكبت خلالهما. وأدّت اللجنة الدولية للصليب الأحمر دورًا محفّزًا في صياغة هذه الاتفاقيات وشاركت اثنتا عشرة دولة أخرى وعدة منظمات دولية منها منظمة الأمم المتحدة كذلك في أعمال المؤتمر بصفة مراقب. وطوّرت الاتفاقيات الأربع الجديدة الموقّعة في 12 آب/أغسطس 1949 حماية المدنيين والأشخاص العاجزين عن القتال على نحوٍ ملحوظ في فترة النزاع المسلّح الدولي ولا سيما الاتفاقيتان الثالثة والرابعة.
وقد رحبت الدول عالميًا بهذه الاتفاقيات التي تنطوي على هدفين أساسيين ألا وهما:
• احترام حياة الإنسان وكرامته الذي تنهل منه جميع الاتفاقيات ويجب التقيد به في النزاعات المسلّحة الدولية وغير الدولية عبر حظر المعاملة القاسية والتعذيب وأخذ الرهائن وتنفيذ إعدامات دون وجود حكم سابق.
• التضامن المتمثل في توفير الرعاية للجرحى بلا أي تمييز. وتعزز الاتفاقيات دور البعثات الطبية وحماية العاملين في المجال الطبي والوحدات ووسائل النقل الطبية.
وتتيح الاتفاقيات والبروتوكولات إنقاذ حياة الكثيرين عبر وضع أطر قانونية لتصرفات الأطراف التي تشن الأعمال العدائية في سياق النزاعات المسلحة. ويجب على أطراف النزاع أن تحترم المبادئ الجوهرية الخمسة للقانون الإنساني الدولي وهي:
• مبدأ الإنسانية الذي يفرض التعامل بإنسانية مع جميع الأشخاص الذين يحميهم القانون الدولي الإنساني من غير تمييز؛
• مبدأ التمييز الذي يفرض على الأطراف المتنازعة التمييز في جميع الأحوال بين المدنيين والمقاتلين وبين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية.
• مبدأ التناسب الذي يفرض تقييم ما يسفر عن هجوم ما من آثار على الأعيان والأشخاص المشمولين بالحماية على نحوٍ يمكن توقّعه منطقيًا، والامتناع عن شنّ هذا الهجوم أو تعليقه إذا كانت آثاره "تفرط في تجاوز ما ينتظر أن يسفر عنه ذلك الهجوم من ميزة عسكرية ملموسة ومباشرة" كما ورد في المادة 51، 5. (ب) من البروتوكول الإضافي الأول.
• مبدأ الاحتياط الذي ينصّ على اتخاذ كافة الاحتياطات المعقولة من أجل تجنّب آثار الهجوم على الأعيان والأشخاص المشمولين بالحماية أو على الأقلّ تخفيف حدّتها، وذلك في حالة شن هجوم أو عملية عسكرية أو فيما يتعلّق بهذه الهجمات التي ينفّها الطرف الآخر في النزاع كما ورد في المادتين 57 و58 من البروتوكول الإضافي الأول.
• مبدأ حظر إحداث الآلام التي لا مبرر لها والمعاناة التي لا داعي لها، ويحظّر إحداث الأضرار والمعاناة غير الضرورية من أجل تحقيق أهداف عسكرية محضة وإضعاف العدو.
وتُطبّق هذه المبادئ، والأحكام التي تطبق على النزاعات المسلّحة الدولية وغير الدولية بصورةٍ عامّة، "في جميع الظروف وعلى الأشخاص كافة الذين يتمتعون بحماية هذه المواثيق دون أي تمييز مجحف يقوم على طبيعة النزاع المسلح أو على منشأه أو يستند إلي القضايا التي تناصرها أطراف النزاع أو التي تعزى إليها"، وفقًا للصيغة الواردة في ديباجة البروتوكول الإضافي الأول الملحق باتفاقيات جنيف. وتعتبر فرنسا في هذا الصدد أن القانون الدولي الإنساني يُطبّق بصورة كاملة بصرف النظر عن أساليب الحرب والوسائل المستخدمة فيها ولا سيما الجديدة منها وبصرف النظر عن المكان أي في الفضاء السيبراني أو الفضاء الخارجي على سبيل المثال.
وتنصّ الاتفاقيات والبروتوكولات أخيرًا على اتخاذ تدابير من أجل التصدي لمرتكبي ما يسمى بالانتهاكات الفادحة وقمعهم.
فرنسا تدعم احترام القانون الدولي الإنساني في جميع أنحاء العالم
وقّعت فرنسا اتفاقيات جنيف الأربع منذ 12 آب/أغسطس 1949. وصدّقتها فيما بعد في عام 1951. وتؤكّد المادة الأولى المشتركة فيما بين الاتفاقيات الأربع بواجب احترام الاتفاقيات وبإلزام احترامها في جميع الظروف.
وتدافع فرنسا عن تطبيق القانون الدولي الإنساني على نحوٍ عالمي ومتّسق ومخلص. وتعمل من أجل حماية المدنيين والعاملين في المجالين الإنساني والطبي ووصولهم بحرية إلى السكان في مناطق النزاع. وتحرص فرنسا على تنفيذ قرارات مجلس الأمن المرتبطة بالقانون الدولي على غرار القرار2417 الصادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في عام 2018 الذي يدين استعمال التجويع كأداة حرب.
وتحشد فرنسا جهود المجتمع الدولي في سبيل احترام القانون الدولي الإنساني. واستهلت فرنسا والبرازيل والصين والأردن وكازاخستان وجنوب أفريقيا بالتعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر مبادرةً عالمية في أيلول/سبتمبر 2024 ترمي إلى إنعاش الالتزام السياسي بالقانون الدولي الإنساني. وستفضي هذه المبادرة إلى صياغة توصيات عملية تصبو إلى التصدي لهذه القضايا ووضع تدابير عملية ميدانيًا. وستتوّج هذه الأعمال بتنظيم اجتماع رفيع المستوى في عام 2026 يتمثّل هدفه بحفظ الإنسانية في الحرب.
وتندرج هذه الجهود المشتركة من أجل تعزيز القانون الدولي الإنساني في إطار الاهتمام العالمي المتجدد بصياغة خطة من أجل السلام وتحسين حماية المدنيين وتعزيز نظم الحوكمة العالمية سعيًا إلى تحقيق تعاون دولي أكثر كفاءةً وحماية أفضل للأشخاص المتأثرين بالنزاعات المسلّحة.
ووضعت فرنسا في عام 2021 خطة تدريب وطنية في مجال القانون الدولي الإنساني ترمي إلى تعزيز تدريب الجهات الفاعلة الحكومية في مجال القانون الدولي ومن بينها الدبلوماسيين والعسكريين الذين يعالجون هذه المسائل في مجال عملهم. وترمي هذه الخطة أيضًا إلى عرض وتعزيز التدريبات التي توفّرها فرنسا في مجال القانون الدولي الإنساني للقوات المسلحة الشريكة وكذلك للمنظمات غير الحكومية والمنشآت الفرنسية الكبرى المهتمة.
[(
تأسيس الصليب الأحمر واتفاقية جنيف الأولى
أُنشئ الصليب الأحمر في عام 1863 بمبادرة من السويسري هنري دونان الذي أثاره مصير الجرحى في معركة سولفيرينو في عام 1859. ووقعت اتفاقية جنيف الأولى في آب/أغسطس 1864 كامتداد لهذه المبادرة. وتحتوي هذه الاتفاقية على عشرة مواد وترمي بصورةٍ أساسية إلى تحسين مصير العسكريين الجرحى في ساحات المعارك. وانضمت في بادئ الأمر بالإضافة إلى فرنسا 11 دولة أوروبية إلى الاتفاقية، وهي بادن وبلجيكا والدنمارك وإسبانيا وهسن وإيطاليا وهولندا والبرتغال وبروسيا وسويسرا وفورتمبورغ، ثم لحقتها النرويج والسويد.
وتسجّل هذه الاتفاقية لعام 1864 تاريخ ولادة القانون الدولي الإنساني، أي فرع القانون الدولي الذي يحكم التصرفات أثناء النزاعات المسلحة ويرمي إلى التخفيف من آثارها.
وكان هنري دونان أول شخص ينال جائزة نوبل للسلام عند تأسيسها في عام 1901، وذلك نتيجةً لجميع أعماله.
تم تحديث هذه الصفحة في تشرين الأول/أكتوبر 2025
