مقال لوزراء الشؤون الخارجية في فرنسا وهولندا وأيرلندا وبولندا وإيطاليا وبلجيكا وإسبانيا وفنلندا والدنمارك والسويد وليتوانيا وألمانيا وإستونيا والبرتغال

حصة

تشهد إدلب كارثة إنسانية جديدة، وهي إحدى أفدح الكوارث التي ترتبت على أزمة سورية، تسببت، في خلال عقد من الزمن تقريبًا، بوقوع عدد لا يحصى ولا يُعدُّ من الكوارث. فنظام دمشق يتشبث باستراتيجيته الهادفة إلى استعادة السيطرة العسكرية على البلاد مهما كلّف الأمر، وبصرف النظر عن العواقب المترتبة على المدنيين.

ومنذ شهر كانون الأول/ديسمبر 2019، أخذ النظام السوري يكثّف عملياته في شمال غرب سورية، بدعم من روسيا، ولا سيما من الطائرات الروسية. وأدت الغارات الجوية المتواصلة وإسقاط البراميل المتفجرة إلى تشريد زهاء مليون سوري في غضون أسابيع قليلة، مما أسفر عن اكتظاظ المراكز المعدّة لاستقبال النازحين، وعن توافد مئات الآلاف من الأشخاص، ومعظمهم من النساء والأطفال، إلى المخيمات المؤقتة، حيث أمسوا يقبعون تحت رحمة البرد والجوع والأوبئة.

وخلافًا لما ينص عليه القانون الدولي الإنساني، تستهدف الغارات عمدًا المستشفيات والمراكز الصحية، ما استوجب توقف تسعة وسبعين منها عن العمل، فضلًا عن المدارس والملاجئ. ووفقًا لمفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، لاقى 298 مدنيًا حتفهم في إدلب منذ الأول من كانون الثاني/يناير.

ونحن على دراية تامة بوجود جماعات متطرفة في إدلب، ولن نستهين أبدًا بمشكلة الإرهاب، فإننا نحاربه بكلّ عزم وإصرار، ونلتزم التزامًا شديدًا بمكافحة تنظيم الدولة الإسلامية. فلا يمكن، بل ولا يجب، أن تكون مكافحة الإرهاب مسوّغًا للانتهاكات الجسيمة التي يتعرّض لها القانون الدولي الإنساني، والتي نشهدها يوميًا في شمال غرب سورية.

وحذّرت منظمة الأمم المتحدة من خطر حدوث أزمة إنسانية لا صنو لها، في حال استمرت الهجمات الحالية. لذا ندعو النظام السوري والجهات الداعمة له، ولا سيّما الروسية منها، إلى إنهاء هذا الهجوم والتقيّد مجددًا بترتيبات وقف إطلاق النار التي اتُّفق عليها في خريف عام 2018. كما ندعوها إلى وقف الأعمال العدائية فورًا وإلى الوفاء بالتزاماتها بموجب القانون الدولي الإنساني، ولا سيما حماية العاملين في المجالَين الإنساني والطبي، الذين يدفعون أرواحهم ثمن التزامهم لصالح السكان المدنيين.

وندعو روسيا أيضًا إلى مواصلة المفاوضات مع تركيا، من أجل التوصل إلى تهدئة التوترات في محافظة إدلب والإسهام في التوافق على حل سياسي.

وبالإضافة إلى الحاجة الملحة إلى إعلان هدنة في سورية، فإنّنا ندعو روسيا إلى عدم منع مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، في الأشهر المقبلة، من تجديد الآلية التي تتيح مدّ شمال غرب سورية بالمساعدات الإنسانية العابرة للحدود التي تحتاجها المنطقة بشدة. فقد سبق وعرقلت روسيا هذه الآلية في شمال شرق سورية، حيث يتعيّن علينا الآن إيجاد بدائل لمعبر اليعربية. فمن يظن اليوم أنّ النظام السوري بحدّ ذاته سيسمح بتوصيل المساعدات إلى المحتاجين، في حين أنه المسؤول الأول والأساسي عن وضعهم الحالي؟

مكافحة الإفلات من العقاب

وأخيرًا، فلنذكّر أنّه لا سبيل لإنهاء الأزمة السورية بصورة دائمة سوى عن طريق حل سياسي قائم على التفاوض، كما ولا سبيل لتطبيع العلاقات السياسية مع سورية ما لم يتم الشروع بحزم في عملية سياسية حقيقية لا رجعة فيها.

ويسعى النظام تحديدًا، عبر الاستراتيجية العسكرية التي ينتهجها، إلى عرقلة أي عملية سياسية شاملة، من خلال إعاقة جميع المناقشات الدستورية المقرر إجراؤها في جنيف، برعاية المبعوث الخاص لمنظمة الأمم المتحدة، السيد جير بيدرسون.

بيد أن استعادة السيطرة التي يسعى إليها النظام حاليًا ليست سوى مجرد خدعة، وستفضي الأسباب عينها إلى تبعات لن تتغيّر وتتمثّل في التطرف، وانعدام الاستقرار في سورية والمنطقة، والنفي، في بلد بات أكثر من نصف سكانه في عداد النازحين أو اللاجئين.

وإننا نشيد بالجهود الجبّارة التي بذلتها البلدان المجاورة لسورية لتوفير المأوى للسوريين الذين أرغموا على مغادرة ديارهم. وفي الوضع المأساوي الراهن، يتحمل الأوروبيون أيضًا مسؤولياتهم، فمن المنظور الإنساني، يعدُّ الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء بمثابة الجهات المانحة الرئيسة الداعمة للشعب السوري. وسندعم تلك الجهود الجماعية المبذولة لمواجهة الأزمة الراهنة في إدلب ونكثّفها.

وتواصل أوروبا ممارسة الضغوط على النظام لكي يشرع بالفعل في العملية السياسية. فقد اعتمد الأوروبيون جزاءات جديدة في 17 شباط/فبراير تستهدف، على نحو فردي، رجال الأعمال السوريين الذين يدعمون الجهد الحربي للنظام والذين تزدهر أعمالهم على حساب تداعياته.

وتتمثّل مسؤوليتنا أيضًا في مكافحة إفلات مرتكبي هذه الجرائم في سورية من العقاب، فهذه مسألة مبدأ وعدالة، كما أنّها شرط ضروري من شروط إحلال السلام الدائم، داخل مجتمع سوري مزّقته عشرة أعوام من الصراع تقريبًا.

ونعتزم مواصلة دعم آليات مكافحة الإفلات من العقاب، التي وضعتها منظمة الأمم المتحدة، والتي تعد أعمالها القائمة على جمع الأدلة ضرورية لإعداد دعاوى قضائية مستقبلية ضد المسؤولين عن الجرائم الأكثر خطورة، على غرار لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بالجمهورية العربية السورية والآلية الدولية المحايدة المستقلة.

وسنواصل أيضًا العمل من أجل إحالة الأزمة السورية إلى المحكمة الجنائية الدولية، وسنحافظ على التزامنا، لا سيما في إطار ولايتنا الوطنية، حتى لا يبقى مرتبكو الجرائم في سورية دون عقاب. وتشما تلك الجرائم على وجه الخصوص استخدام الأسلحة الكيميائية وانتهاك معايير القانون الدولي الأكثر أهمية. كما يجب علينا تحديد المسؤوليات ومحاسبة المجرمين، وكشف مصير العديد من الأشخاص المحتجزين والمفقودين.


وزراء الشؤون الخارجية:

ستيفانوس بلوك (هولندا)؛ سيمون كوفيني (أيرلندا)؛ جاسيك تشابوتوفيتش (بولندا)؛ لويجي دي مايو (إيطاليا)؛ فيليب جوفين (بلجيكا)؛ أرانتشا غونزاليس لايا (إسبانيا)؛ بيكا هافيستو (فنلندا)؛ جيبي كوفود (الدنمارك)؛ جان إيف لودريان (فرنسا)؛ آن لينده (السويد)؛ ليناس لينكفيسيوس (ليتوانيا)؛ هيكو ماس (ألمانيا)؛ أورماس رينسلو (إستونيا)؛ أوغستو إرنستو سانتوس سيلفا (البرتغال).

نشرت هذا المقال صحيفة "لوموند" يوم 26 شباط/فبراير 2020.