"إن التحالف مع بشّار الأسد سيؤدي إلى استدامة الحرب الأهلية"

حصة

ما هي العبر التي تستخلصونها من الضربات الروسية الأولى في سورية؟

كان التصريح الروسي الأولي الذي تحدث عن تعبئة الجميع ضد إرهابيي تنظيم داعش مثيرا للاهتمام وإيجابيا، لكن المشكلة هي أن الروس ركّزوا ضرباتهم حتى الآن على مواقع المعارضة المعتدلة عوضا عن تركيزها على مواقع تنظيمي داعش والقاعدة، وتؤكد المعلومات الاستخباراتية التي بحوزتنا ذلك. ومن ثم يطرح السؤال الشرعي التالي: ألا يرمي الانتشار الروسي إلى تعزيز نظام بشّار الأسد في المقام الأول؟ لقد أسفرت هذه الضربات عن وقوع ضحايا من المدنيين، والحرب ضد الإرهاب لا تُخاض عبر قصف النساء والأطفال، بل على العكس، هذه طريقة لإذكاء الإرهاب. وأرجو أن تستهدف الضربات الروسية من الآن فصاعدا تنظيم داعش والمجموعات القريبة من تنظيم القاعدة حقا ولا غير.

ماذا ستفعلون لو استهدفت الضربات الروسية المقبلة بالأساس المعارضة التي تدعمها فرنسا والولايات المتحدة؟

أوضحت يوم الأربعاء الماضي أمام مجلس الأمن ما هي الشروط الثلاثة التي نضعها من أجل اتخاذ خطوات بالتنسيق مع روسيا، وهي: توجيه الضربات فعلا ضد تنظيم داعش وغيره من المجموعات الإرهابية ولكن ليس ضد المعارضة المعتدلة أو المدنيين، ووقف قصف السكان المدنيين بالبراميل المتفجرة، وتنفيذ عملية الانتقال السياسي للخروج من الأزمة. ولا يجوز أن تُستغل محاربة الإرهاب لتسويغ مساعدة بشّار الأسد في استعادة زمام الأمور، فهذا مناقض للهدف الذي ننشده والمتمثل في سورية الحرة والموحدة.

تدعو فرنسا إلى رحيل بشّار الأسد منذ خمسة أعوام دون نتيجة، فهل يجب تغيير الاستراتيجية الفرنسية؟

إنني أسمع الفكرة التي يعبّر عنها البعض أحيانا والتي تبدو بسيطة ظاهريا وهي أن بشّار الأسد وتنظيم داعش مذْنبان لكن تنظيم داعش أسوا، لذا يجب التحالف مع بشّار الأسد. علينا أن لا نغفل - فضلا عن الجانب الأخلاقي - أن بشّار الأسد مسؤول عن ثمانين في المائة من حالات الوفاة واللجوء. إن هذا التصوّر سيؤدي إلى طريق مسدود، بل إن ضرورة الفعالية تقتضي بحد ذاتها رحيل بشّار الأسد. إن حالة الفوضى واليأس اللذين يثيرهما بشّار الأسد هما الوقود الأساسي الذي يذكي تنظيم داعش فعلا. ولا سبيل لإرساء الاستقرار الدائم في سورية ومكافحة الخطر الإرهابي بفعالية إلا بتحقيق المصالحة بين أبناء الشعب السوري، وما الطاغية السوري إلا عقبة أمام تحقيق هذا الهدف. إن التحالف مع بشّار الأسد وفقا لما يقترحه البعض سيؤدي إلى استدامة الحرب الأهلية، وتأجيج التطرف لدى السكان الذين أدماهم، وتشريد أعداد لن تنفك تتزايد من اللاجئين في الطرق والبحار. وقد لخّص رئيس الجمهورية الفرنسية هذه الفكرة ببلاغة قائلا إنه لا يمكن لجلاد الشعب السوري أن يجسد مستقبل هذا الشعب.

لماذا تعذّر إيجاد بديل لبشّار الأسد طيلة خمسة أعوام، وأين فشل الغربيون؟

كانت هنالك محاولات عديدة لكن لا شك في أن تفاقم الأزمة السورية هو فشل واضح للمجتمع الدولي. وافق حلفاء بشّار الأسد على مبدأ التغيير السياسي في جنيف نظريا، لكنهم استمروا في توفير الدعم له في الواقع. أما البلدان الغربية، ولا سيّما البلدان التي قرّرت في صيف 2013 عدم التدخل عسكريا ضد بشّار الأسد في لحظة كان فيها مستقبل سورية على منعطف حاسم، فتتحمل هي أيضا قسطا من المسؤولية. باتت مقومات عملية الانتقال السياسي للخروج من الأزمة معروفة منذ حزيران/يونيو 2012 وصدور بيان جنيف، وهي: إقامة حكومة انتقالية كاملة الصلاحيات التنفيذية، تتألف من عناصر من النظام ومن المعارضة المعتدلة التي تنبذ الإرهاب. كما أن الجهات الفاعلة في عملية الانتقال هذه باتت معروفة، وقد حافظنا في عملنا وسنتسمر في المحافظة على السرية التامة فيما يخص الأسماء. ويجب استهلال العملية الآن، التي نعتقد أن عليها أن تمر عبر المفاوضات الواسعة النطاق بإدارة المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى سورية السيد ستافان دي مستورا، وبدعم من جميع البلدان المعنية، وفي مقدمتها الأعضاء الدائمون في مجلس الأمن. وإننا نناقش هذه المسائل مع الأمريكيين وبلدان المنطقة والروس والصينيين والإيرانيين، إذ إننا انتقلنا من أزمة داخلية إلى أزمة إقليمية ثم إلى أزمة دولية حقيقية. وهذا أمر خطير لكنه وعلى وجه المفارقة قد يمثل أملا لإحراز التقدم. أما الكارثة فستكون في استمرار الصراع السوري وتبلوره في حرب طائفية بين السنة والشيعة، مما سيعني فتح الباب على تأجيج الوضع إلى حد غير مسبوق.

ساندتم والرئيس فرانسوا هولاند فكرة إقامة منطقة حظر جوي في سورية، ألا يعني ذلك في الواقع الدخول في نزاع مباشر مع سورية؟

إننا نريد أن تتوقف عمليات القصف العشوائي التي يشنّها النظام، وخصوصا استعمال البراميل المتفجرّة وغاز الكلورين، التي تسببت في جزء كبير من الضحايا المدنيين والتهجير المكثّف للسكان. إننا ندرس عن كثب مسألة الحق والواجب في حظر تحليق الطيران السوري فوق بعض المناطق حيث يُستهدف المدنيون بوجه خاص، فحماية المدنيين تمثل أولوية لنا.

هل يمكن إقامة مناطق كهذه بدون نشر القوات ميدانيا؟

ثمة عدة خيارات محتملة، ولنكن واضحين فليس هدف فرنسا نشر القوات ميدانيا في سورية قط. وعلى فكرة لا يفكر أي بلد غربي في ذلك ولا يقترحه، فليست القوى الخارجية هي التي تستطيع استعادة الأمن في سورية، إنما هذه مسؤولية الشعب السوري نفسه، أو حتى القوى الإقليمية.

استمرت المواجهة بين الروس والغربيين بشأن سورية ومصير بشّار الأسد إبّان اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، فهل يبدو الأفق الدبلوماسي مسدودا تماما؟

حاليا نعم، لكننا نواصل الحديث مع الجميع، حتى مع روسيا وإيران، فهذا هو دور الدبلوماسية وما درجت عليه فرنسا، ونحن لم نستسلم. أصبح من الواضح في ختام اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة أن الحل يمر عبر مقاربة مزدوجة تدمج بين محاربة الإرهاب وعملية الانتقال السياسي للخروج من الأزمة، ونحن نسعى إلى إحراز التقدم على هذا الأساس. كان الرئيس فلاديمير بوتين في باريس في الأمس وبالطبع كانت سورية من بين المواضيع التي تم تناولها.

لا تزال المجموعة الهامشية من المعارضة السورية التي تدعمها فرنسا مهمّشة اليوم، فكيف يمكنها أن تكون الجهة التي ستتولى السلطة في المرحلة الجديدة؟

التقى رئيس الجمهورية رئيس الائتلاف الوطني السوري خالد خوجة في نيويورك، وعلى الرغم من الصعوبات الهائلة، يسعى الائتلاف بشجاعة إلى توحيد جميع الذين يتشاطرون الرؤية فيما يخص سورية، التي هي رؤيتنا نحن أيضا، أي سورية الموحدة والديمقراطية والتي تحترم جميع الجماعات في البلاد. ويجب توسيع هذه الحركة. أما ميدانيا فهذه المعارضة المعتدلة عالقة بين مطرقة عمليات القصف التي ينفذها بشّار الأسد وسندان الهجمات التي ترتكبها المجموعات الإرهابية، كما أنها تتعرض منذ بضعة أيام لقصف الطيران الروسي، وربما تطرأ تطورات أخرى برا. فهل علينا أن نهمل هذه المعارضة في حين أنها تمثل البديل للإرهاب؟ ليس هذا موقف فرنسا.

هل ستصوتون ضد القرار الروسي المقدّم إلى مجلس الأمن الذي يدعو إلى إقامة تحالف موسّع لمحاربة تنظيم داعش؟

لا يفي هذا النص في صيغته الحالية بالشروط الثلاثة التي استعرضتها آنفا للالتفاف حول عمل مشترك، أي شنّ عمل عسكري ضد تنظيم داعش والمجموعات الإرهابية حصرا، وحماية المدنيين، والالتزام بعملية الانتقال السياسي. وسنرى إذا كان بالإمكان تعديل القرار بهذا المعنى وهو ما أرجوه. لكنه من غير الوارد توفير غطاء قانوني لعملية تسعى في الواقع باستماتة إلى إنقاذ طاغية فقد مصداقيته، بحجة محاربة الإرهاب. ليس لدينا جدول أعمال مبطّن، فهدفنا واضح وهو أن فرنسا التي تعتبر قوة مستقلة والتي لديها الكثير من العلاقات في هذه المنطقة تسعى في المقام الأول إلى تحقيق السلام والأمن.