نصوص مرجعية

العيد الستون للإعلان العالمي لحقوق الإنسان:خطاب رئيس الجمهورية السيد نيكولا ساركوزي، (باريس، ٨ ديسمبر/كانون الأول ٢٠٠٨)

السيدات والسادة الوزراء،
السادة الحائزون جائزة نوبل في السلام،

لم نكن إلا نادرًا محاطين بمثل هذا الجمع المتواجد اليوم، والفضل إنما يرجع إليكم، السيدات والسادة، إنه لشرف لي أن أستقبلكم هنا بمناسبة العيد الستين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

إن هذا الإعلان – الذي اعتمدته بالإجماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في باريس يوم 10 ديسمبر/كانون الاول 1948، قد وصفه المواطن الفرنسي رينيه كاسان – والحائز هو الآخر جائزة نوبل في السلام – بـ"أول حركة ذات طابع أخلاقي تبنتها البشرية المنظمة على مر العصور ". إنني أفهم جيدًا – وأقول ذلك لمن "يفوقوننا سنًّا" – أن اعتماد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان هذا في باريس منذ ستين عامًا قد خلق واجبات خاصة بالنسبة إلى فرنسا. لقد ناضلتم – أنتم الأكبر سنًّا - طيلة حياتكم من أجل تقدم حقوق الإنسان في العالم.

لقد ذكر هوسرل أن "الخطر الأكبر الذي يتهدد أوروبا إنما يكمن في عدم الاكتراث"، لأنه – بطبيعة الحال – من سيعارض الإعلان العالمي لحقوق الإنسان؟ ومن سينهض للقول بأن هذا الإعلان غير مجد؟ ومن سيذهب حتى إلى القول بأنه لا يتفق مع ما ورد فيه؟ ولكنه عدم الاكتراث! لقد تبادرت هذه الأمور إلى ذهني حينما شهدت ما حدث إبان العيد الخمسين وما يحدث اليوم في العيد الستين. وفي أثناء الاحتفال بالعيد الخمسين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان كان من حق العالم أن يتفاءل، إذ أنه كان قد أنهى عقدًا سقط فيه حائط برلين واستعاد 80 مليون أوروبي حريتهم. وهناك جنوب إفريقيا – لقد تحدثتي عن نلسون مانديلا عزيزتي ماري روبنسون، وبإمكاننا أيضًا الحديث عن ويللي دي كليرك وهو أيضًا رجل سلام – جنوب إفريقيا التي وضعت حدًا للفصل العنصري.

كما أن عملية أوسلو في الشرق الأوسط – عزيزي جيمي كارتر – قد ولّدت أملا كبيرًا بفضلكم. لقد أردتم أن تصنعوا السلام، ونادرًا ما كنّا قريبين إلى هذا الحد من السلام. لقد كان يمكننا أن نقول لأنفسنا بصورة شرعية إبان احتفالنا بالعيد الخمسين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان أن العالم يتقدم إلى الأمام. وفي العيد الستين، بدا هذا التفاؤل بعيد المنال. في العقد الأخير، جاء 11 سبتمبر/أيلول 2001 ممثلا البربرية بكل ما فيها من خسّة. وشهدنا تصاعد الإرهاب وتفاقم الأزمات: الأزمات المالية والاجتماعية والاقتصادية وارتفاع درجة حرارة الأرض. وبات الانطباع السائد في كافة أرجاء المعمورة أن حقوق الإنسان في القرن الواحد والعشرين كانت بالأحرى بصدد التراجع وليس التقدم. ومن ثم، ما العمل إزاء كل هذه الأمور؟ ما دورنا؟ كيف ندير كل ذلك؟ هناك المرجعيات الأخلاقية وجوائز نوبل والمفكرون. يتعين عليكم التفكير والإدانة والتكلم. ولكم الحرية في القيام بذلك. إن وقع كلمتكم يبلغ من القوة ما لسلطانكم الأخلاقي من عمق. وأود أن أقول – في هذا المنحى – أن شعوركم لابد أن يكون واحدًا. ينبغي أن تكونوا بلا قيد ولا شرط في صف حقوق الإنسان.

ثم هناك رؤساء الدول والحكومات الذين يُطلب منهم ليس فقط التحدث ولكن العمل، ليس فقط التفكير ولكن تقديم النتائج. واسمحوا لي أن أقول أنه من بين الصعوبات التي تطرحها رئاسة جمهورية بلد كبير مثل فرنسا، فإن المسألة الخاصة بأفضل سبيل للدفاع عن حقوق الإنسان هي بلا أدنى شك تلك التي قادتني في أغلب الأحيان إلى التشكك بل والتردد. لماذا التشكك ولماذا التردد؟ إذا لم يتحدث رئيس دولة ما إلا مع رؤساء الدول والحكومات التي تحترم حقوق الإنسان، كيف سيتسنى له إذن إقناع رؤساء الدول والحكومات الذين لا يحترمون هذه الحقوق؟

وإذا لم نبادر بهذه المخاطرة – إذ أن التعاطي مع الذين لا يدافعون عن القيم الواردة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ولا يطبقونها يمثل مخاطرة – من سيقوم بذلك؟ غير أنني أدرك تمامًا أننا حينما نقوم بذلك، قد نعطي انطباعًا بأننا نخون جزءًا من قناعاتنا. يجب أن نخرج أولا من نطاق النقاشات الزائفة، خاصةً تلك التي ترمي إلى أن حقوق الإنسان تعد قيمًا غربية، ما تبقى من استعمار نود فرضه على أجزاء أخرى من العالم لها ثقافتها الخاصة بها. إنني لا أوافق هذا الرأي. إن المرأة المغتصبة قد أهينت أيًّا كانت القارة التي اُغتصبت فيها. والمرأة المختنة قد تألمت بعمق في جسدها أيًّا كانت التقاليد الخاصة بالبلد التي تفرض هذه العادة البربرية. والرجل أو المرأة المدانين بسبب آرائهما، قد اُنكر عليهما حقهما في الإنسانية. بيد أنه أيًّا كان المكان الذي نتواجد فيه من هذا العالم – كما ذكرتم للتو – سيدتي الرئيسة – فإننا بشر لدينا حقوق إنسانية وهذه الحقوق عالمية. لا يحق لنا أن نتخفى وراء الثقافة، وراء احترام التقاليد، وراء التقاليد العتيقة لكي ننكر على البعض ما نقرّه للبعض الآخر.

ولكي تسير الأمور قدمًا، ينبغي أن نخاطر في بعض الأحيان. أن نمنح الثقة لرئيس تعارضت فيما مضى أفعاله مع احترام حقوق الإنسان يعد مخاطرة. إنني أدرك ذلك تمامًا. وأقول ذلك أمام الرئيس كارتر الذي أكن له الاحترام والإعجاب – وإذا ما سمح لي – الصداقة. لقد اتخذت فرنسا قرارًا ذا وطأة حينما مدت يدها إلى سوريا وأعلم أن الدعوة التي قدمتها باسم فرنسا إلى الرئيس السوري كانت محل نقاش. ربما ذكر البعض من بين الحاضرين – هنا وهناك: "في سوريا، حقوق الإنسان لا تحترم". لقد سعدت حينما علمت أن الرئيس كارتر سيقوم هو أيضًا بزيارة سوريا. انظروا إلى الدرب الذي تم اجتيازه منذ أن مددت يدي: لبنان ينعم تقريبًا بالسلام، قيام التمثيلات الدبلوماسية بين لبنان وسوريا. لبنان يحظى بحكومة ديمقراطية، وله رئيس، لبنان سيجري انتخابات. لم تتم تسوية الأمور كافة بعد. ولكن من كان باستطاعته التفكير في أننا سنتوصل إلى هذه النتيجة من دون إجراء مباحثات مع سوريا؟ أود أن يفهم الجميع أن تحليل الوقت الذي ينبغي فيه لرئيس دولة أن يتكلم وأن يكف عن الكلام هو بلا شك أصعب قرار يتخذه. لقد أردت منح الثقة لسوريا، وأقول ذلك أمام الحائزين جائزة نوبل في السلام، وأقوله في العيد الستين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ولا آسف عليه.

وأضيف إلى قولي هذا، أنه من المهم للغاية أن تشرع كل من سوريا وإسرائيل في مباحثات تفاوضية لا تكون بعد الآن غير مباشرة ولكن مباشرة. من في هذا المكان باستطاعته أن يقول لي أنه كانت هناك فرصة لانعقاد هذه المباحثات من دون أن نتحدث مع الرئيس بشار الأسد؟ دعوني أؤكد ذلك، إن الدفاع عن حقوق الإنسان والدفاع عن السلام يكمن في أن تكون لدينا شجاعة تشجيع سوريا على إيجاد طريق الاحترام الدولي الكامل وعلى الخروج من العزلة.

بيد أنني أود أن أطرح مثالا مخالفًا تمامًا: زيمبابوي والرئيس موجابي. أقول اليوم أن الرئيس موجابي يجب أن يرحل وأن زيمبابوي قد عانت بما يكفي وأنه أجريت جميع المباحثات – وأتوجه بالتحية إلى جنوب إفريقيا وإلى الرئيس مبكي. ولكن حينما يكون هناك ديكتاتور لا يريد أن يسمع ولا يريد أن يفهم، حينئذ أرى أنه ينبغي على رؤساء الدول والحكومات التوقف عن النقاش. لقد حان الوقت لنقول للسيد موجابي: "لقد استخدمتم بما يكفي شعبكم لخدمة أغراضكم، شعب زيمبابوي له الحق في الحرية والأمن والاحترام." يجب أن يرحل.

وأود أن أطرح مثالا ثالثًا: دارفور والسودان والرئيس البشير. لا داع لكي تجهدوا أنفسكم في إقناعي بأن دارفور هي بلا شك واحدة من أكبر الفضائح في بداية هذا القرن. عشرات الآلاف وربما مئات الملايين سقطوا صرعى في هذه المنطقة من العالم حيث لا يمتلك السكان شيئًا وحيث نشبت بلا شك أولى حروب الجوع والمياه. إننا في حاجة إلى الحكومة السودانية لإيجاد أخيرًا السلام في دارفور. لا أحد ينكر ذلك. إن الرئيس البشير لديه وقت قصير ليتخذ القرار. إن مستقبله بين يديه. إما أن يغير موقفه وحينئذ يمكن للمجتمع الدولي أن يتناقش معه وإما لا يغير موقفه وحينئذ سيكون أمام مسؤولياته، ولا سيما أمام المحكمة الجنائية الدولية التي تعد من أوجه تقدم الإنسانية.

حينما يحتفظ المرء في حكومته برجل يلاحقه القضاء من أجل جرائمه فإن المجتمع الدولي لا يمكن أن يتحدث معه. ينبغي أن يقوم الرئيس البشير بالاختيار ليس في الأسابيع المقبلة بل في الأيام القادمة.

لقد سنحت لي الفرصة في الدوحة في نهاية شهر نوفمبر/تشرين الثاني بأن أذكر له هذا بكل وضوح. وأعلم جيدًا أن بعض الناس قد قال: "ولكن كيف تُقدم على الحديث مع الرئيس البشير؟" إذا لم نتحدث مع الرئيس السوداني، فكيف سنتوصل إلى إيجاد الحل في هذا الجزء من العالم؟ ولكن إذا لم يغير الرئيس السوداني من سياسته، فلن يتحدث أحد البتة معه.

أود أن أقول كلمة أيضًا بشأن الوضع في إيران. إن شعبًا مثل الشعب الإيراني، وهو من أكبر شعوب العالم وواحدة من أقدم الحضارات في العالم، حضارة راقية ومثقفة ومنفتحة، يعيش مأساة كونه ممثلا اليوم من بعض من قادته. لقد ذكرت ذلك إلى صديقي كوفي أنان، من المستحيل أن أصافح أحدًا جرؤ على القول بأنه يجب أن تمحى إسرائيل من الخريطة. إنني أعلم جيدًا أن الرئيس الإيراني لا يمثل كل السلطة في إيران، بل وأقل من ذلك، عزيزي جيمي كارتر، لا يمثل الشعب الإيراني. إنني أعلم جيدًا أنه ينبغي إيجاد حل لما يمكن أن يمثل أخطر أزمة دولية أمامنا ألا وهي الخطر الذي يكمن في تزود إيران بالقنبلة الذرية. لا يمكننا حل هذه الأزمة من دون التحدث مع القادة الإيرانيين. بيد أنني لا أستطيع الجلوس على الطاولة – بعد المحرقة وبعد الأحداث المأساوية التي شهدها القرن العشرين - مع رجل جرؤ على القول بأنه يجب أن تمحى إسرائيل من الخريطة.

آخرون سوف يجرون نقاش، ربما حتى الولايات المتحدة الأمريكية في يوم ما ستحاول أن تمد يدها. بيد أن المجتمع الإيراني يجب أن يمعن في التفكير. من يتحدث باسمه؟ ومن يمثله؟

وأود أن أقول أنني كنت حزينًا بعض الشيء إبان مؤتمر الأمم المتحدة المنعقد في الدوحة حول تمويل التنمية. فمن بين مجموع رؤساء الدول والحكومات بمجموعة الـ20، لم نكن سوى اثنين للتحدث عن أهداف الألفية من أجل التنمية: رئيس جنوب إفريقيا وأنا كرئيس للاتحاد الأوروبي. ولأن حقوق الإنسان هي أيضًا من أهداف الألفية: يجب أن يتمكن الناس من إيجاد طعام حينما يجوعون ويجب توزيع التنمية في العالم بصورة أكثر إنصافًا.

وأخيرًا، أود أن أقول كلمة بشأن اللقاء الذي تم أمس الأول في جدانسك. لقد ذهبت لحضور الألعاب الأوليمبية في الصين لأنه كان حدثًا كبيرًا ومنظمًا بشكل جيد للغاية من قبل الصينيين كما إنه حقق نجاحًا. أعتقد أن كل شيء قد جعل من هذا الاحتفال العالمي نجاحًا كبيرًا، ولست نادمًا على الإطلاق على تمثيلي لأوروبا هناك، بما أنني ذهبت بموافقة رؤساء الدول والحكومات الـ26 في الاتحاد الأوروبي. وإنني أرى أن الصين تعد من أكبر الدول في العالم وأنه ينبغي أن يكون لها مكانًا في الحوكمة العالمية مثلها في ذلك مثل الهند بل وأيضًا إفريقيا. مليار نسمة ليس لديهم عضو دائم في مجلس الأمن. يا له من خطأ! وأفكر أيضًا في قارة أمريكا الجنوبية وبوجه خاص البرازيل والمكسيك.

كنت دائمًا أرى أنه ليس هنالك سوى صين واحدة، وفضلا عن ذلك، حينما اعترف الجنرال دي جول بالصين في عام 1964 اعترف بها مع التبت. ولكن دعوني أقول بمنتهى الهدوء وصفاء النفس أن من واجب الرئيس الفرنسي أن يلتقي جميع الحائزين جائزة نوبل للسلام ممن يودون لقائه، أيًّا كانت أصولهم وأيًّا كانت قناعاتهم وأيًّا كانت القضية التي يدافعون عنها. ستكون فرنسا غير وفية لتاريخها إذا لم تفسح دائمًا مكانًا خاصًّا للحاصلين على هذا الامتياز المرموق الذي تمثله جائزة نوبل للسلام.

هكذا، السيدات والسادة، ترون كيف تستمر فرنسا في الدفاع عن حقوق الإنسان في العالم وكيف تصنع السلام. سوف تجازف، لأننا إذا لم نبادر بالمجازفة فلن نفعل شيئًا. غير أن فرنسا تعي دائمًا أنه في حقيقة الأمر سيحكم عليها الآخرون من خلال ما حققته من نتائج ومن خلال الطريقة التي سيتقدم بها السلام. وإنه بالنسبة إليّ لشرف كبير كما أنني أجد ارتياحًا كبيرًا في أن يكون بإمكاني الاعتماد على السادة الحضور وعلى نصائحهم وعلى الإلهام الذي ينبع من مسيرتكم الحياتية جميعكم، بل ومسيرة كل واحد منكم. ولسوف أرحل – أنا أيضًا – في يوم ما. إنها القاعدة التي تمليها الديمقراطية. ومن خلال تأمل حياتكم وقراءة أعمالكم، أعزائي يا من تفوقوننا سنًّا – قلت لنفسي أن الشيء الثمين في حياتكم كرؤساء دول وحكومات كان قرارًا أو قرارين مهمين استطعتم اتخاذهما. وصدقوني فأنا منكب على هذا الهدف الذي يكمن في عدم تفويت فرصة اتخاذ القرار السليم في الوقت السليم.

وأشكركم./.

طباعة هذه الصفحةطباعة هذه الصفحة